السيد محمد تقي المدرسي

264

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

قرين له « 1 » ، ضاد النور بالظلمة ، والجلاية بالبهم « 2 » والجسوء بالبلل « 3 » ، والصرد بالحرور « 4 » ، مؤلف بين متعادياتها ، مفرق بين متدانياتها ، دالة بتفريقها على مفرقها ، وبتأليفها على مؤلفها « 5 » ، ذلك قوله جل وعز : ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " . الزمان دليل أزلية خالقه " ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم ألا قبل له ولا بعد « 6 » ، شاهدة بغرائزها ألا غريزة لمغررها دالة بتفاوتها ألا تفاوت لمفاوتها ، مخبرة بتوقيتها ألا وقت لموقتها ، حُجب بعضها عن بعض ليعلم ألا حجاب بينه وبينها من غيرها « 7 » ، له معنى الربوبية إذ لا مربوب ، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه ، ومعنى العالم ولا معلوم ، ومعنى الخالق ولا مخلوق « 8 » ، وتأويل السمع ولا مسموع ، ليس مذ خلق استحق معنى الخالق ، ولا

--> ( 1 ) ( ) لكل شيء ضد ولكل شيء قرين ، وهذا دليل العجز والنقص ، فإذا كان الشيء قادراً لحذف ضده ولو كان كاملًا لما احتاج إلى تكميله بقزين ، والله ليس له كفو أحد . ( 2 ) ( ) النور محدود بالظلمة ، والظلمة تخترق بالنور فهما إذاً عاجزان ، والظهور ( الجلاية ) يخالف ( البهم ) . ( 3 ) ( ) الجسوء هو الجلد الخشن والماء الجامد . ( 4 ) ( ) البرد والحر . ( 5 ) ( ) أن كل مخلوق زوج يحتاج إلى كفوه ويحتاجه كفوه ، وهذا دليل عجزه وحاجته إلى رب لا كفو له أبداً . ولعل هذا هو معنى استدلال الإمام بالآية الكريمة ، وبالذات ختام الآية ( لعلكم تذكرون ) أي جعلنا الأِشياء أزواجاً لعلكم تذكرون بحاجتها إلى من يؤلفها ، ولا يحتاج إلى كفو . ( 6 ) ( ) فاعلية الزمان في الأشياء تدل على إنها قد ابتدئت ، وهي بالتالي بحاجة من ابتدأها ، وهو لا بداية له ولا فاعلية للزمان فيه . ( 7 ) ( ) احتجاب بعض الأشياء عن بعضها دليل على عجزها ومحدودية اثرها ، وأن خالق الجميع لابد أن تشمل قدرته كل الأِشياء ، وإلا يحتجب عنها إلا بتعاليه عنها واختلاف جوهرها عنه . ( 8 ) ( ) لم يكتسب الرب واقع الربوبية من خلقه ، لأن له الكمال المطلق قبل خلق المخلوقين ، وبذلك الكمال خلقهم ، وهكذا الإلوهية والعلم ، فهو إله قبل أن يخلق الخلق ، وعالم بهم قبل الخلق إذ خلقهم بعلمه ، وهكذا الصفات التالية .